السيد حيدر الآملي

72

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ومعلوم أنّ اجتماع طائفة مخصوصة في موضع مخصوص على وضع مخصوص مرارا متعددة في يوم واحد أو أكثر أو أقلّ يكون موجبا لاشتداد المحبّة بينهم واستحكامه بقدر استعدادهم واستحقاقهم ، كصلاة الجماعة في المحلّة ، وصلاة الجمعة في المدينة ، والحجّ في كلّ سنة في مكّة ، وغير ذلك من الإجماعات ، فإنّ العقل الصحيح يحكم بالائتلاف والمحبّة بلا خلاف ، وقد شهد به الكتاب الكريم في مواضع شتّى . وتفصيل ذلك وهو أنّ المحبّة كما تحصل من اجتماعهم في كلّ يوم خمس مرّات في محلّتهم ، تحصل أيضا من اجتماعهم كلّ جمعة في المدينة والمسجد الجامع ، وتحصل أيضا في بعض الشهور والأوقات في موضع معين من الأعياد والزيارات ، وتحصل أيضا من اجتماع أهل الأقاليم في موضع معين للحجّ ، لأنّ هذه الأوضاع ما وضعوا ( وضعت ) إلّا لأجل هذا كما سبق ذكره ، وفيه أيضا غير المحبّة فوائد أخر كالمعاملات بينهم والمناكحات وغير ذلك من المعارف بين أهل كلّ إقليم وكلّ بلدان الّتي توجب تلك المعارف أخر وهلمّ جرّا ، ولهذا الأوضاع أسرار وأبحاث لا يحتمل بعض ذلك أمثال هذه المقامات ، لأنّها تحتاج إلى مجلّدات معتبرة ، والغرض أنّ الكلّ مبني على الزمان والمكان والإخوان . وإذا عرفت هذا ، فاعلم : أنّ معراج النبيّ صلى اللّه عليه واله بحسب الصورة مشتمل على هذا وكذلك بحسب المعنى أيضا ، وحيث إنّ المعراج معراجان : صوريّ ومعنويّ ، نشرع أوّلا في بيان المعراج الصوري ، ثمّ في بيان المعراج المعنوي ، لأنّ فيه إختلاف كثير بين العلماء والعوام ، وبين الحكماء والصوفيّة .